اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

141

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

لقد حاول البعض أن يعتبر رحلة سلام أسطورة خيالية وكفى ، ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا أن مصادر الأساطير الجغرافية في الأدب العربي توجد في ميدان غير هذا ، فهي ترتبط بالأقاصيص والحكايات البحرية عن بلدان الشرق كالهند وأرخبيل الملايو أو بلدان الغرب خاصة سواحل أفريقيا الشرقية . وقد بدأت هذه الأقاصيص تزدهر في القرن التاسع في موانى الخلافة كالبصرة وسيراف وعلى وجه خاص في العاصمة بغداد . ونادرا ما أودع القصاصون حكاياتهم بطون الأسفار ، فهي في الغالب وصلتنا بأقلام شخصيات أخرى كانت أحيانا من معاصريهم أو من ممثلى الأجيال التالية لهم . ويبدأ سلسلة القصاصين المعروفين لنا « التاجر سليمان » الذي لا يعرف عنه أكثر من أن قصصه ترجع إلى حوالي عام 237 ه - 851 . وهو قد سافر مرارا بغرض المتاجرة إلى الهند والصين ؛ ويصف الطريق بدرجة من الدقة مكنت فبران Ferrand من أن يتتبعه على الخارطات الحديثة 177 . وهو خير مثال للتجار العرب والفرس الذاهبين إلى الصين ، وقد أبحر من سيراف إلى مسقط على ساحل الجزيرة العربية ومن هناك إلى كلم على ساحل ملبار ، ثم ممر بمضيق تالك شمال جزيرة سيلان وعبر خليج البنغال فوصل إلى جزيرة لنجبالوس ( إحدى جزر نيكوبار ) . ثم تقدم إلى كله بره على ساحل الملايو الغربى ومن هناك إلى جزيرة تيومن الواقعة إلى الجنوب الغربى من ملقا ، ومنها إلى رأس القديس يعقوب قرب سايجون ، ومن هناك إلى جزيرة هاينان فعبر المضيق الذي يفصلها عن أرض الصين ليصل إلى ميناء خانفو أو كانتون الحديثة بالصين . وكانت الرحلة البحرية من مسقط إلى الصين تستغرق أكثر من أربعة أشهر 178 . ولم يقتصر سليمان في وصفه على ذكر المراحل ، أو « البربلوس « * » Periplus كما تقول اليونان ، وتقدير المسافات بالأيام وأحيانا بالفراسخ بل ترك أيضا وصفا حيا للسواحل والجزر والموانى المختلفة والمدن وسكانها والمحاصيل والمنتجات وسلع التجارة ؛ كما ثبت أن المعلومات التي أوردها عن كانتون تتميز بالتفصيل والدقة . ونظرا لعدم وجود أية معلومات عن سليمان نفسه فإن بعض كبار علماء الصينيات ( Sinologists ) مثل يول Yule وپليو Pelliot قد تشككوا في نسبة القصص إليه ، كما ظهر رأى آخر يقول بأن هذه القصص لعربي زار الهند ؛ ومن الملاحظ أنه لا ترد فيها إشارة إلى سليمان إلا مرة واحدة 179 . غير أن - - فيران 180 قد لفت الأنظار إلى أن ابن الفقيه ينسب القصص صراحة إلى سليمان ، 181 ولهذا فإن مسألة تأليفه لها لا يحوم حولها أدنى شك حتى بعد مرور خمسين عاما على وفاته . وقد أضاف إلى القصص المنسوبة إلى سليمان ، وذلك بعد عشرين عاما من هذا ، رحالة آخر هو ابن وهب 182 الذي يرجع نسبه إلى قريش وكان من الأعيان الأثرياء فلما سقطت البصرة في يد ثوار

--> ( * ) لفظ « بربلوس » Periplus معناها باليونانية دورة ملاحية ( Circumnavigation ) ، وقد أطلق اللفظ على رسائل في الملاحة يصف فيها اليونان سواحل البحار المختلفة . ومن أهم ما تبقى لنا منها هو « بربلوس البحر الأحمر » Periplus Mare Erythraeum الذي يرجع إلى القرن الأول الميلادي . ( المترجم )